الاخبار السياسية

التعليم العالي في العراق في ظل الأدارة الجديدة

بقلم الدكتور عبدالحميد السعدون

في العام 1996 دخلت معترك التعليم العالي في العراق عندما أسستُ كلية اليرموك الجامعة بعد أن سمحت الدولة في ذلك الوقت بتأسيس كليات أهلية بفعل الضغوط التي تعرضت لها الحكومة في حينها من جهات متعددة بضرورة فتح الباب أمام التعليم العالي الأهلي بعد أن ترك الحصار الذي كان مفروضاً على العراق آثاره البليغة على قطاع التربية والتعليم عموماً والتعليم العالي بخاصة.

ومنذ ذلك الحين تناوب على قيادة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وزراء من الوسط الأكاديمي ومن خارجه، وأنا في هذا المقال لا أريد التعرض الى التعليم العالي الحكومي ومؤسساته فهذا ليس من أختصاصي ولا مسؤوليتي. ولكن الواجب والمسؤولية تدفعني الى تناول حقل التعليم العالي الأهلي والأدارات التي تعاقبت عليه، وبخاصة بعد العام 2003.

لقد عانى هذا القطاع في ظل الأدارات السابقة من سوء الأدارة بعد أن تولى مسؤوليته أشخاص جاءت بهم المحاصصات الحزبية والمذهبية والطائفية والعرقية البغيضة التي ألحقت بالعراق أضراراً كارثية ولم يسلم التعليم العالي منها، وبخاصة قطاع التعليم العالي الأهلي. فقد ساد الفساد الذي إستشرى في مفاصل الدولة، وتجذرت المحسوبية والمنسوبية، وصار التعامل مع الكليات الأهلية يجري على أسس وقواعد لا علاقة لها بالعلم والتعليم، بل تخضع لأهواء ومصالح شخصية ومنافع وكسب غير مشروع على حساب المعايير العلمية والأكاديمية التي غابت تماماً من حسابات الأدارات السابقة للأسف الشديد، فتحولت بعض الكليات الأهلية الى دكاكين للأرتزاق ومكاتب لأصدار الشهادات لمن يحتاجها.

وقد عانينا الكثير الكثير على مدى عقد ونيف من سلوك الأدارارت التي تعاقبت على إدارة التعليم العالي الأهلي والتي تعاملت مع الكليات الأهلية على وفق أهوائها ومصالحها ومنافعها الشخصية، فكانت الموافقات على إستحداث أقسام جديدة تمنح بالهاتف النقال لبعض الكليات الأهلية، وتحرم منها كليات أخرى، ونحن منها، لأننا لا ننسجم مع أهواء القائمين على إدارات التعليم العالي الأهلي ومصالحهم الشخصية ومنافعهم ولا نقبل أن نكون جزءاً من الفساد الذي إستشرى في أروقتها. وهكذا كان الحال فيما يتعلق بالطاقة الأستيعابية وخطط القبول، فكانت بعض الكليات تمنح أعداداً تتجاوز بكثير الطاقة الأستيعابية لأقسامها الى الحد الذي لم تكن هناك قاعات دراسية ومختبرات تستوعب الطلبة المقبولين في تلك الكليات وكانت المحاضرات تلقى على الطلبة في ممرات تلك الكليات. بينما نحرم نحن من إستحقاقاتنا التي تذهب الى غيرنا بلا حق ولا إستحقاق.    

لقد صبرنا كل تلك السنوات وتحملنا خسائر كبيرة على الصعد العلمية والأكاديمية والمالية، ولكننا لم نساوم يوماً على ثوابتنا في الألتزام بالمعايير العلمية والأكاديمية ومعايير الجودة ولم نقصر في توفير كل المستلزمات والمتطلبات التي تحقق لطلبتنا المستوى العلمي الذي ننشده وقد تحقق لنا هذا بفضل الله ومساعدة الخيرين، فكان طلبتنا من المتميزين في أمتحانات الرصانة وحققنا نتائج باهرة أٌقرت عيوننا رغم ما تعرضنا له من ضغوط لا تحتمل.

وبعد كل ما شهدناه من سوء الأدارة والمحسوبية والمنسوبية والفساد والمصالح الشخصية والمنافع غير المشروعة في إدارات التعليم العالي الأهلي طوال السنوات الماضية، جاءنا الفرج اليوم على يد السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأستاذ الدكتور قصي السهيل، ليعيد الأمور الى نصابها الصحيح وليزيل عن هذا القطاع الحيوي ما لحق به من أدران، فالرجل هو إبن بجدتها مثلما يقول المثل العربي، وصاحب باع طويل في مجال التعليم العالي، وهو الأكاديمي الذي تدرج في سلم المسؤولية ليتولى اليوم مسؤولية قطاع تقوم عليه نهضة العراق وتنميته وتطوره وتقدمه، وترتكز عليه سمعة العراق الأكاديمية التي كانت، وستبقى بأذن الله تعالى، عالية في الأوساط الأكاديمية والعلمية في جميع دول العالم.

إن ما ينهض به السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الأستاذ الدكتور قصي السهيل، من مسؤوليات جسام في تصحيح مسيرة التعليم العالي في العراق وما يقوم به من دور فاعل في إعادة الأمور الى نصابها في هذا القطاع الحيوي، يبعث في نفوسنا الأمل في أن عهد المحسوبية والمنسوبية والفساد والمصالح الشخصية والمنافع غير المشروعة قد ولى بلا رجعة، ويزيدنا ثقة وإطمئناناً بأن المعايير العلمية والأكاديمية ومعايير الجودة ستكون هي المعيار الوحيد لتقويم الكليات الأهلية وعلى وفقها يأخذ كل ذي حق حقه بلا محاباة وإنحياز لهذا الطرف أو ذاك لأسباب خارجة عن تلك المعايير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق