الاخبار السياسية

المفارقة في حاضنة الفكر العراقي

بقلم الكاتب .. د. مظهر محمد صالح


تدلل المفارقة paradox الى تناقض ظاهري او امر محير ظاهري التناقض،وقد يكون التناقض عبارات صحيحة تتضمن بين ثناياها معنى النقض او النفي .فالمفارقة هي بيان او ايضاح على الرغم من ان التعليل يبدو ظاهريا مبني على مقدمات وحجج منطقية.فاذا كانت المفارقة الادبية هي تجاوز خارج عن المألوف لبعض الافكار المتناقضة لتقديم رؤية غير متوقعة او لتفسير وجودها، فان المفارقة في الفلسفة قد تكون خارجية exogenous عندما تناقض المعرفة او فرضية سابقة او هي تناقض داخلي endogenous عندما تحتوي المفارقة نفسها على الشي وعكسه.حقيقة هذا ما انصرف اليه فيلسوف القرن الحادي والعشرين Sainsbury في كتابه الشهير :المفارقات paradoxes الصادر عن كمبردج عام ٢٠٠٩.اذ يؤكد مارك سينسبري في كتابه انفاً، بان المفارقة هي خاتمة قد تبدو غير مقبولة من خلال منطق قد يبدو مقبولاً. ولما كان الادب والفلسفة يتشابهان في نواح كثيرة لكونهما عضوين في عائلة واحدة يتنازعان احياناً بخصومة عنيفة وفي احيان اخرى يتشاركان في الاهتمامات الثنائية الممكنة .وفي ضوء هذه الاشكالية التركيبية بين الادب والفلسفة ، فقد اظهر العراق بكل جراحاته في واحدة من مناخاته الفكرية استمزاجاً لموضوع (المفارقة )التي اخذت فيها الكتابات الحالية منحىً يقترب من الادب تارة ومن الفلسفة تارة اخرى .فعلى مدار السنوات الماضية انشددّتُ في متابعة مفكرين عراقيين اخذا يحييان (مدرسة المشرق العربي ) في تلمسهما وبشيء من الحداثة لقضايا علم الاجتماع السياسي التي يمثلها المفكر والكاتب حسين العادلي ويقابله في الطرف الاخر في نطاق علم نفس الاجتماع السياسي ان جاز لي التعبير المفكر والكاتب فارس كمال نظمي. إذ مزج كلاهما وعلى وفق ما اعتقده شخصياً في حواراتهما الفكرية عنصر (المفارقة paradox ) بين الادب والفلسفة وبدرجات متفاوته في تصديهما للمواضيع التي تبحث عن الذات الانسانية بين الافتراق والالتقاء ليظهرا المفارقة الفلسفية الادبية كأسلوب لحداثة الفكر وتطوره في واحدة من مدارس الفكر في المشرق العربي . فبين العبارة والاشارة اختلفت الفلسفة عن الادب في فهم ابعاد الوجود الانساني المعرفية والاخلاقية والاجتماعية. فالمدرسه المغاربية التي قادها فيلسوف المغرب العربي طه عبد الرحمن ، هي التي ترى ان الادب والفلسفة قد احتفظ كل منهما بمنطق خاص به. فالادب بكونه شكلاً من اشكال التعبير في صياغة معالم الفكر الإنساني، نجد ان الفلسفة قد قطعت شوطاً في تلمس الحقيقة .وعلى الرغم من التعايش والتنافر بين الادب والفلسفة نفسهما، فترى مدرسة المغرب العربي ان الفلسفة ومفارقاتها تشمل مساهمة اوسع من الايضاح المسمى بالبيان (العباري ) بمعنى ضوابط العقل المجرد (اي قوة التعقل).
في حين ينصرف السرد الادبي ومفارقاته الى قسط اكبر في بلوغ مايسمى بالبيان(الاشاري) اي قوة التخيل. حقيقة انه لوقتٌ مبكر كي نتفحص فيه المدرسة العراقية المشرقية فيما اذا كانت تعمل جنباً الى جنب في تأسيس نمط الحداثة في جمع الفلسفة والادب سواء في مسايرتها لفلسفة ديكارت : انا افكر انا موجود ، اي البحث في الذات المفكرة و اكتشاف قوانين الكون وحل العازهُ .او انها تساير على سبيل المثال منحى الادب الجيكي الذي قاده ميلان كونديرا في فن الرواية الذي جمع في مفارقته بين الادب والفلسفة. اذ يرى كونديرا ان العصر الذي عاش فيه الكاتب الاسباني سرفانتيس في القرن السابع عشر في روايته الشهيرة (Don Quixote – دونكشوت ) وظهور الفلسفة الديكارتية لم ينفكان عن بعضهما في اكتشاف اسرار العالم او اسرا الذات وتطلعاتها واستشعارها.
فالمدرسة العراقية في (المفارقة )التي تجمع بين الفلسفة والادب تظهر الى حدٍ ما في ملامحها الفكرية انها تقترب من المدرسه الاوروبية في حداثتها ولكنها لن تنفصل عن عمق الشرق واصالته ومحيطه بكونه المادة الخام التي يصنع الكاتبان فيهما اصالة الفكر المشرقي العراقي .

  • يقول الكاتب المفكر حسين العادلي وهو. يتأمل موضوع عنوانه «التأقلم» قائلاً :

التأقلم (الكلمة المهذبة) للاستسلام، فالمرء بين حالتين: رفض الواقع أو الاستسلام له،.. ولا حرج على الضُعفاء.
ليس بين التأقلم والنفاق سوى (شعرة)،.. ولا تأقلم في القيم.

المتأقلمون روّاد كل (مسرح)، ومادة كل (صيحة)، ولا حصر (لأقنعتهم).
ما أسرع (عطَب) حال المتأقلم، فلا يلبث أن يتأقلم حتى (تتغير) الظروف!!

مَن لا يقبل (تبعات) قراره، عليه أن يقبل (نتائج) تأقلمه.
لا يُصنع التاريخ بالمتأقلمين، ولن تجد بسجل (الأنبياء والأحرار) متأقلماً.

ويواصل المفكر العادلي في التصدي لموضوع «المِرآة» قائلًا:

ما أعظم رسالة المِرآة، إنها تظهر الحقيقة دونما (مساحيق)،.. وإني لأشفق على المرآيا كونها لا تميز بين (الوجوه والأقنعة)!!

الثقافة مِرآة (الشعوب)، وما أخفاه (التّبجح) أظهرته مِرآة (السلوك).

(النُخب) مِرآة الأمّة، فانظر الى النُخب (تعرف) الأمّة،.. الأمم بنُخبها.
كم من مرآيا (العقل) نحتاج لنرى الحقيقة في ذاكرة الموروث وسجلات التاريخ وادعاءات الأيديولوجيا!!

القيادة مِرآة (المرحلة)،..فأنظر الى القائد تعرف(زمنه).

وفي موضوع (البرهان) ينصرف المفكر العادلي بالقول:
بَرهَنَ لي الزمن: أنّ السلطة (مذبح) الأيديولوجيات، ومَن يحكم الحاكم هو (السرير)!!
الأيديولوجيا والسرير هما (صنّاع) التاريخ!!.. وكلاهما (شِباك)، الأيديولوجيا تصيد (الدُّهماء)، والسرير يصيد (الحُكّام)!!
وينتهي المفكر حسين العادلي بمفارقة حره عنوانها (الطريق) قائلاً:
الرغبة، هي ما (تدفعك) الى الطريق، أمّا ما (يبقيك) فهو الإيمان،.. الرغبة (حاجة)، والإيمان (هدف).

إن كان هناك (الهدف) اخترعنا الطريق، وإن انعدم الهدف ضاقت بنا (الطرق)،.. الأهداف هي (الصانعة) للطرق.
الأمّة التي (تختار) الطرق السهلة لن (تنضح)، والرائد الذي لا يستشعر المنحدر قبل (وصوله) ليس بقائد، ومن أدمّن الطرق (المعروفة) لن يكتشف، ومن لم يغامر لن يكن (صانعاً) لعهد جديد، وستستعبده (الألفة)!!
(المستسلم) وسط الطريق، لا يمكنه العودة لنقطة الشروع، ولا يمكنه بلوغ الهدف،.. (خسارته) بخسارتين!!
التائه بحق ليس (فاقد) طريق، بل (ضال) هدف.

اما الكاتب والمفكر فارس كمال نظمي فينصرف في آخر دراساته التي حملت عنوانا نصه: ((السلطة ووَهْمُ الحصانة.. والموجة الثورية القادمة في العراق!)).قائلاً:

((إذا اتفقنا أن عموم المجتمعات البشرية (الحاكمين والمحكومين) قابلة للتعلم الانتفاعي -بدرجة نسبية معينة- من تجاربها وخبراتها وإخفاقاتها عبر التاريخ، فإن السلوك السياسي لأنظمة الحكم المغلقة بأقفال الاستبداد والفساد، لا يخضع في الغالب لهذه القاعدة.

وواحد من أكثر هذه الأوهام فاعلية في تسبيب حالة الخدر السياسي التي تعيشها هذه الأنظمة، هو ما يدعى بـ”وهم الحصانة” Illusion of Invulnerability، إذ يغدو العقل السياسي للمنظومة قدرياً حد الاعتقاد المتكلس أن ثمة “ترتيباً” باطنياً في جوهر الأحداث يمنع التغيير الجذري (أي انهيار النظام)؛ بل يذهب للاعتقاد أن ثمة “مناعة” أو “حصانة” مؤكدة تحول دون إحداث انقلاب جذري في موازين السلطة لصالح قوى جديدة تخرج من معطف التاريخ المجدد لتراتبياته )).
ويختتم المفكر فارس كمال نظمي القول:
((أتساءلُ ويتساءل مثلي كثيرون من العاملين في حقل الدراسات الاجتماعية ومن عامة الناس: هل توجد فعلاً “حصانة” أو “مناعة” للنظام السياسي الحالي أمام قوى التغيير البازغة تراكمياً على نحو تدريجي تارة وعلى نحو مباغت تارة أخرى؟ أم أن هذه الحصانة ليست أكثر من تفكير رغبوي توهمي يصيب أجزاءً من المجتمع السياسي (بشقيه السلطوي والمعارض)، في مرحلة انتقالية عسيرة ومحيّرة ومؤلمة بين حراك ثوري لم يكتمل لكنه لم ينتهِ، وبين موجة ثورية قادمة؟!)).

واخيرا ،قد اجد نفسي وانا من حقل الاقتصاد السياسي بحاجة لكي احاكي موضوع المفارقة في المدرسة العراقية المشرقية في الادب والفلسفة سواء بأصرتها المرحلية ومآلاتها المستقبلية واقول ناقداً :

  • (التاقلم )هو اقصى ما يبلغه المرء من حالات التكيف و المقدرة على شيطنة الحياة على الدوام ومزج ادواتها ووسائلها لتحريكها بمطاطية خطيرة سواء في التمدد اوالتقلص اواعادة تشكيل الذات لاشباع المنافع حتى
    وان تطلب الامر مسخ الذات البشرية وهي الشيطنة الكاملة للتاقلم نفسه.
    ينشأ التأقلم باقصى اشكاله خطورة من مزيج سلوكين متكاملين اولهما : هو (التكيف) والذي يعني عملية دينامية مستمرة يهدف بها الفرد إلى أن يغير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقا وتوازنا مع البيئة، كما تدل على مفهوم بيولوجي استخدم في نظرية التطور والبقاء، فالكائن الحي القادر على التكيف مع البيئة، ومفاجآتها يستطيع الاستمرار في البقاء، أما الذي يخفق في التكيف فمصيره إلى الزوال، وتشمل البيئة كل المؤثرات والإمكانات والقوى المحيطة بالإنسان التي يمكن أن تؤثر في جهوده للحصول على مايراه من التوازن النفسي والبدني في معيشته.
    وثانيهما (الانتهازية) وهي ممارسة واعية للاستفادة الأنانية من الظروف مع الاهتمام الضئيل بالمبادئ أو العواقب التي ستعود على الآخرين. وأفعال الشخص الانتهازي هي أفعال نفعية تحركها بشكل أساسي دوافع المصلحة الشخصية.وهكذا بين مزج (التكيف )(بالانتهازية) يتم شيطنة الحياة كلها و يبلغ التأقلم عندها حالة من المسخ البشري ما يقتضي رصد حذر للتصرفات البشرية المتأقلمة .
  • (المرايا) الصادقة تعكس الوجه العاري سواء اكان الوجه كالح ام جميل ام محمل بالرتوش المصطنعة …ولكن اخطر (المرايا ) هي التي تعرجت ابعادها وتحولت الى موزايك غير متجانس وفقدت الكثير من بريقها .فقد تجعل الالسن الطويلة حلوة عذبة والرؤوس الفارغة تجسدها بوصلة خادعة الاتجاهات والذئاب الجرداء تتلبس الحمل الوديع ، لتغيب عندها الحكمة وتفقد منها الرحمة وتخدع البراءة في مهدها … فنقاء (المرآة) هو نقاء لتراكيب الحياة بمختلف زواياها المشرقة والداكنةً.
  • (فالمرآة ) الصادقة يحملها الابرياء (والمرآة ) المتعرجة يحملها صنف متلون يخفي سواتر عالية من الاتربة ليعكس دوره في لعبة الحياة عنوانها هو :المنقلب دائماً …!!!
  • اما طغيان النفس على العقل بلا كلمة سواء فهي (العنجهية) فالنفس فيها غدت سائبة الاطراف غادرت عالمها الحقيقي وهي باقية متعجرفه تمسك بقدر عالي من الفنتازيا .لا يداعب العقل في النفس المتعجرفة سوى فقه قوامه نفس (امارة) وكلمة متاخرة تداعب ألانا العليا اداتها عقل منتفخ اصابه العطب وغادر واقعيته بانفصال فالخراب عندها بناء والثقافة عدو (بسهام) تفصل متلازمة العقل والنفس.
  • بين مَخادع النساء ومَخادع العقل هناك عالم عاري يمارس الهدم الشامل، هما حقاً قوتان هدامتان فاعلتان في مصير الامم وعلى المقدار نفسه في مصير السلطة .
    فتسويق الايديولوجيات يأتي لهدم الامة وموتها سريرياً ليستبد السلطان في مخدعه ، وتسويق السرير ياتي لهدم السلطة ونخرها من الذات لتتلاشى سريرياً عبر دورة التاريخ وتعاقب النظم …فبين هنري الثامن و موسوليني تاريخ حافل من الاسرة والهدم الايديولوجي.
    انه سلوك الاستبداد ودواخله الدقيقة في النظم السياسية سواء اكانت بدائية ام متقدمة .
  • الطريق في مفهومه الحياتي الواسع هو المسار العملي الذي يستبطنه مسار زمني وطاقة عمل محسوبة بذراع رقمي شديد الدقة لبلوغ الهدف . فتتبع خريطة الطريق في مساراتها بشكل ضال وفقدان الزمن وانحراف القدرة في وضع مرتسماتها بتعثر تجعل من الاهداف غايات هلامية لاتدرك خيباتها الداكنة الا عند الامم (الخاسرة) .
    وهنا نجد الدرب تعلوه بوصلة واتجاه بطانته هو الايمان والحقيقة المطلقة ومعياره هو السعي لامساك الفرصة وصناعة المعرفة بالازمنة القياسية وبأقتدار لافت وتسمى الامم (الرابحة).
    فالطريق هو مارثون في (الموازنة العمومية للحياة) تسجل فيها حسابات الربح والخسارة وميدانها سباق لعبة تتطابق فيها الاهداف مع الغايات عند الامم الرابحة وتفترق عند البعض وهم الامم الخاسرة .اذ تضع الامةً الرابحة لمستها في الحياة ، وتظللها العقيدة الاستراتيجية ودقة اتجاه بوصلتها نحو المستقبل .
    تبقى الدولة هي المادة الماسكة للعقد الاجتماعي التي تشيد المؤسسات جدرانها وتقيم آواصرها ويزدهر الكيان الاجتماعي نموا وتقدما وبالبنيتين التحتيتين المادية والقانونية بقوة مؤسسيها. وان أُس التراكم المؤسسي يقوم على رصانة عقد الدولة الاجتماعي برافعة تشغيلية عنوانها السلطة الحقة الضامنة لكفاءة المجتمعات واستقرارها وازدهارها.
    وتتاكل جدران الدولة وتهدم مؤسساتها عندما تحيي المجتمعات تشكيلاتها البائدة او المندثرة من مدافنها القديمة ليفنى عقدها الاجتماعي ، تتقدمها قوى القبائل والانساب والاطياف وهي تمسك بقوة انيابها المتهالكة لتنهش الغنيمة وترفع صحف عقائدها الغامضة بمثابة افيون راحتها ، ولا تعانق رايات قوى ما قبل الدولة بعضها البعض الا بغضاً.
    وهنا تستبدل عقائد السلام بالحرب وتقطع يد المودة بادوات( هابطة ) يتطاير من حواضنها البغضاء والكراهية والتمزق لتؤسس ديناميات فناءها بنفسها.
    ختامًا ، فبين الدولة واللادولة ساحة صراع اسمه المستقبل المزدهر غير المرئي تقابله ظلمة ماضوية تصحو على تراجعات اتربة ترسل بها دوارس موتها المتهالكة .
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق